بدأ الأمر كله في تمام الساعة الرابعة، حين كنت أقرأ مقالًا يتحدث عن المثالية والكمال. ذكرت كاتبته أنها كانت تلعب لعبة "السودوكو"، وقبل أن تخسر بقليل، خرجت من التطبيق لمجرد أنها تجاوزت الوقت المحدد الذي تعودت الفوز فيه! كانت تفعل ذلك لمجرد ألا تُسجل في رصيدها خسرانًا واحدًا، وقالت إنها كلما كتبت مقالًا، تظل تدقق فيه بلوساس لتتأكد من كونه مثاليًا تمامًا.
ذكرني موقفها بحديث دار بيني وبين أحد الأصدقاء هنا. كان يقول إنه يملك معرفة واسعة وأفكارًا جميلة، لكنه لا يعرف كيف يبدأ. قلت له بساطة: "الأفكار والكلام يتدافعان فور كتابة الجملة الأولى." لكنه ردّ موضحًا أن المشكلة ليست في وفرة الكلام؛ فهو يستطيع التحدث بلا نهاية، بل في ترتيب الأفكار وجعل كل شيء يبدو مثاليًا لأبعد درجة، مؤكدًا أنه لن يكتب مقالًا أبداً ما لم يظهر بالصورة الكاملة التي يتخيلها.
ضحكت حينها بسخرية خفيفة، فأنا أكتب دائمًا دون ترتيب، وكلامي غالبًا ما يأتي مبعثرًا، لكنني حاولت إقناعه بأن المهم هو أن نتحدث ونوصل الفائدة. هنا يتجلى الفرق بيننا: هو يرى أنه لا فائدة من الكلام إن لم يكن مثاليًا، وأنا أرى أن جودة الفكرة وأثرها أهم بكثير من قالبها الشكلي.
هذا هو جحيم المثالية بحد ذاته: أن تؤجل فعل الأشياء التي تحبها وترغب بها، لمجرد أنها لا تبدو كاملة.
خذوني أنا كمثال؛ شخص لا يهتم إن كان الكلام فصيحًا للغاية أم لا، كل ما يهمني هو إيصال الفكرة، حتى وإن تضمّنت مقالاتي بعض الأخطاء. أنا لست مثالية، بل أقل من العادية، وهذا ليس تقليلًا من ذاتي؛ فأنا أعرف نفسي وأحبها كما هي.
أردت فقط إيصال فكرة بسيطة: ليس عليك أن تكون مثاليًا لتبدأ، فلا أحد يولد كاملًا، والكمال لله وحده.
لا تحاول أن تكون مثاليًا.. كن عاديًا.

